The text size have been saved as 105%.

خنازير بلا ألم

Printer-friendly versionPrinter-friendly versionSend to friendSend to friend
أعرف أن هذا المقال لن يجلب لي سوى السخرية والاستهزاء . إن حقوق الخنازير في موت بلا ألم هي آخر ما يشغل خيال المصري مهما كان جامحا . سيقولون إنني غائب عن الوعي !! أو إنني أخالف لأعرف. يا سيدي المثقف هل تعيش على كوكب آخر؟ هل حصل الآدميون على حقوقهم لتطالب بحقوق الخنازير!! أو سيستدعون إلى خيالهم كل ما يمثله لفظ الخنزير من نجاسة ودياثة ومحرم ديني .. وينسون أن الخنزير لم يختر أن يخلق خنزيرا، وأنها إرادة خالقه سبحانه وتعالى. كل هذا أعرفه، كل هذا أتوقعه .
 
لكن الشيء الذي لم أكن أعرفه هو وجود كل هذا العدد من قطعان الخنازير على أرض المحروسة، لم أكن سعيدا حين عرفت بوجود مئات الآلاف منها في مستودعات القمامة في بلد الأزهر الشريف، حتى لو قالوا أن لحومها تتجه إلى الفنادق السياحية، فعلى حد علمي لن يضير السائح أن يمتنع عن لحم الخنزير لأيام. كما أن الخنزير لا يمثل طقسا دينيا لمسيحي مصر.. فالقصة من أولها لآخرها لا لزوم لها، وكان من الأفضل أن تكون المحروسة بلا خنازير، تنزيها للمعتقد الديني الإسلامي ومكانته في النفوس.
 
ثم جاءت كارثة إنفلونزا الخنازير، بكل ما يمثله انتقاله من إنسان إلى إنسان من خطر داهم على البشرية، وجاء قرار الحكومة المصرية بالتخلص من الخنازير، وكان متوقعا أن يحتج أصحاب القطعان على فقد مورد رزقهم. بالطبع كانت نظرتهم للأمر اقتصادية بحتة. نوع من تدمير رأس المال. بالنسبة لي أنا فقد وضعت يدي على قلبي حينما صدر القرار لما أعرفه من تجارب سابقة في التعامل مع الكائنات الضعيفة التي لا حول لها ولا قوة. لم أزل أذكر طريقة التعامل الوحشية مع الكتاكيت في محنة أنفلونزا الطيور السابقة. نحن شعب قاس ، فظ القلب بكل ما تعني الكلمة من معان. هؤلاء الأوغاد لم يجدوا طريقة للتخلص من الكتاكيت سوى بإلقائها حية في النيران، كانت الكتاكيت الصفراء تصرخ من الرعب، وتتلوى من الألم وهي تشكو لخالقها هؤلاء الوحوش الذين يزعمون أنهم مسلمون. أما الدواجن الأكبر عمرا فتم قتلها بالضرب. بعدها نريد من الله أن يسامحنا وندخل الجنة بالمرة!! حينما أثار بعض النواب الرحماء هذه الفضيحة في أروقة مجلس الشعب خرج علينا الوزير المسئول ليقول إنه كان من الممكن استخدام وسائل أكثر رحمة مثل الغازات السامة، لكن خشيتهم على صحة الشعب منعتهم من ذلك!!
 
هكذا ؟ هؤلاء الذين سمموا طعامنا وسرطنوا المبيدات ولوثوا النيل المقدس.. النيل العظيم صاروا فجأة يشعرون بالخوف على صحتنا!! يا حنية قلبك يا حكومة !لا أدري بماذا أكافئك؟ الدمعة حتفر من عيني فعلا، عشان قلبك الرحيم ، اللي زي قلب الأم !!
 
أصارحكم القول ، أنا مذعور بكل ما تعنيه الكلمة لأني أكاد أرى بعين البصيرة ما سيصنعونه مع تلك الخنازير الضعيفة، الخنازير المسكينة التي تركض هنا وهناك ميتة من الرعب. بالطبع لا أمانع في التخلص منها، بل أطالب بجعل مصر خالية من الخنازير احتراما للمعتقد الديني ، ولا أظن أن أخواننا المسيحيين سيمانعون في ذلك مودة لأشقائهم المسلمين، خصوصا بعد ما تبين من خطورتها على الصحة العامة. لكني في الوقت نفسه أطالب بالقتل الرحيم، وعدم استخدام العنف مع هذه الكائنات البريئة. لا أدري لماذا تحجرت قلوب المصريين بهذا الشكل؟ وفيم كل هذا العنف والاستهانة بألم مخلوقات لها جهاز عصبي كامل ومحكم، مخلوقات تتألم مثلنا بالضبط، لكنها لا تستطيع أن تدافع عن نفسها كما نفعل، أو تكتب شكوى أو ترفع مظلمة، إلا لله رب العالمين.
 
فليسخر من يسخر، وليستهزأ من يهزأ، لكنني أثق أنني أقرب إلى روح الدين ومراد الإسلام حينما أطالبكم بالرفق مع الخنازير. فإلهنا الذي كتب على نفسه الرحمة، وأرسل رسوله رحمة للعالمين، وأخبرنا أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها وجوعتها، وبغي دخلت الجنة بسبب كلب سقته، هذا الإله الرحيم لن يرضى قط بالقسوة على مخلوقاته الضعيفة. إنني أثق جيدا في رحمة الإله العادل، الذي لا يرضى الألم لمخلوقاته، ولا يقبل من خليفته على الأرض أن يذيقها العذاب ألوانا، سخرها لنا ؟ نعم . أباح لنا قتل المؤذي منها؟ بالتأكيد، ولكن إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فليسن أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ، تلك هي تعاليم رسول الإسلام .
 
أقول لهؤلاء القساة : افعلوا ما شئتم.. كما تدين تدان، وكل مخلوق استهزأتم بألمه وأنتم تقدرون عليه، فسوف يقتص منكم يوم الدين، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

الدكتور أيمن محمد الجندي

العربية
No votes yet